ماذا لو لم تعلن الفتوى؟!

محمد كاظم خضير ||

على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ,, وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ
فتعظُمُ في عين الصَّغيرِ صغارُها ,, وتصغر في عين العظيمِ العظائمُ (المتنبي)
عاش العراقيون أياما صعبة ولحظات ترقب يائسة وهم يرون بأم أعينهم عصابات الاجرام داعشية وأنصار صدام المقبور المخلوع المدعومة من قبل أمريكا تسقط المدن واحدة تلو الأخرى وصولا إلى بغداد في ظل اختلاف واضح بين موازين القوى، وكان ما بدأ لهذه العصابات المنتشية بأنه لحظة السيطرة النهائية على الأرض ما هو إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة، فأنطلقة عمليات الحشد الشعبي ضد الإرهاب الداعشي بعد أن قيام المرجعية الدينية السيد علي السيستاني وحزم أمره وأصدر فتوه السامية في لحظة إحباط يمر بها العراق والمنطقة، فأعاد روح الامل إلى الناس واضعا حدا لمشاريع الإرهاب التوسعية التي وصلت إلى العراق.
فقد قابل غطرسة الإرهاب الداعشي إرادة لا تنقطع وعزيمة لا تلين لدى الحشد الشعبي , وقد تجلت بوضوح هذه الإرادة والعزيمة والإقدام والشجاعة في موقف القيادة الحكيمة للحشد الشعبي والتصدي بكل قوة لاعداء الإسلام والمسلمين واتخاذ القرار التاريخي للدفاع وإنقاذ العراق..
وبعد مرور ثمان سنوات ونيف من انطلاق الفتوى المباركة، يطرح السؤال نفسه ماذا لو لم تنطلق وماذا كان ليحدث لو تأخرت، وبعد التفكير جليا ومحاولة المقاربة بين الماضي والحاضر والمستقبل، أجد إن الإجابة بكل بساطة هي: لكان العراق ضحية جديدة وجرحا عربيا اسلاميا لن يندمل وسيظل يقطر دما ومرارة في أمة اثخنتها الجراح وتكسرت فيها النصال على النصال، فقد كانت هذه الحرب حرب رفع الظلم والطغيان عن المناطق الغربية ودرء الخطر عن بلد الرافدين.
لقد تجلت لدى السيد علي السيستاني الشجاعة كل الشجاعة وإلاقدام وحكمة القائد وبصيرته ليضع -في لحظة خطيرة- أمن العراق فوق كل اعتبار، فاتخذ قرارا تاريخيا أملاه المنطق وفرضته الحكمة، ولقد اظهرت هذه الحرب بجلاء ان الحشد الشعبي هو القلب النابض للعالم الاسلامي، وهي حجر الزاوية في الدفاع عن العراق والعالم الإسلامي، ولم يكن ليتوقف المد الإرهاب لداعش لولا فتوى المباركة ثم البنية الاساسية العسكرية والعمق الاستراتيجي للحشد الشعبي في خارطة الحرب في العراق بصورة عامة، وانعكس هذا في انضمام العديد من العشائرالغربية إلى الحشد الشعبي.
من قراءتنا للتاريخ، نجد أن السيد علي السيستاني دائما تتحلى بالصبر والحكمة والحلم والأناة حتى في ظل الاحداث الجسام والملمات العظام في العراق، لكن قراراتها تأتي حازمة وجريئة عندما ينفد صبرها. . لكن أزمة داعش بالذات فاجأت المنطقة والعالم بقدرات الحشد الشعبي خاصة ومحور المقاومة عامة واستعداداتها العسكرية العالية لاسيما القوات البرية والبحرية بعد ان اكتسبت القيادة العسكرية والسياسية خبرات ثمينة من حرب الإرهاب لم تكتسبها غيرها من البلدان العربية. فعندما انطلاق فرسان الحشد في لحظة مفاجأة للمنطقة كلها لتحقق أهم اهدافها العسكرية في أشهر قليلة، أدرك الجميع ان الحشد الشعبي قد امتلكت قوة عسكريةمقاتلة وحديثة وامتلكت أسلحة ردع تجبر خصومها على التفكير الف مرة قبل الاعتداء أو حتى التهديد.
وكذلك قدرة القيادة العسكرية على التعامل مع الإعلام من خلال إيصال الرسالة المطلوبة للمتلقي سواء كان عسكرياً أو مدنياً، فكان المجاهد احمد الأسدي مصدرا إعلاميا عسكريا للحشد الشعبي متواكبا مع الأحداث من خلال مؤتمراته الصحفية، وهو متحدث ذكي وفطن ومحترف جدا.
السؤال المطروح سلفا في هذا المقال وهو ماذا لو لم تعلن الفتوى المباركة، يجعلنا ندرك حتمية وضرورة انطلاقها وفي نفس تلك اللحظة التي انطلقت فيها، وهو ما ينم عن ان الحشد الشعبي يتمتع اليوم بقدرات سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة بلا شك، ولكن الاهم من ذلك ما تتمتع به الحشد الشعبي من رجال دولة وعقول سياسية وعسكرية وفكرية عملاقة، وهي الثروة الحقيقية للدولة في منطقة ملتهبة ومضطربة جدا لما تتمتع به هذه الكفاءات من خبرات ورؤية استراتيجية في إدارة مختلف الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتعاطي معها بحكنة والتخطيط الاستراتيجي على مستوى عال من الدقة والنجاح وهو ما لم يكن يدركه الكثير من الناس قبل اليوم وحان الوقت لإدراكه واستيعابه جيدا من قبل دعاة الفوضى في المنطقة. فكانت الحشد الشعبي بثقلها السياسي والاقتصادي صمام امان للمنطقة ودعما للسلم في العراق والمنطقة ككل.

اترك تعلیق