حديث الحرب في الشرق الأوسط: على واشنطن لملمة محورها أولاً!

23

عبد الله محمّد

على الرغم من النبرة العالية التي تتّسم بها مواقف دونالد ترامب، منذ تولّيه الرئاسة، غير أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ذهبت بعيداً في الحسابات الاقتصادية مُعرّضةً تحالفاتها في المنطقة لاهتزازات كانت في غنى عنها، في ظلّ تقدم خصومها.

بطبيعة الحال، بعض هذا الكلام مردّه سياسة الابتزاز والتحريض الإسرائيلي المستمر للحليف الأكبر، ولكنه يصدر أيضاً عن أكاديميين ومؤسّسات بحثيّة ومُعلّقين مرموقين في تل أبيب.

وعلى الرغم من النبرة العالية التي تتّسم بها مواقف دونالد ترامب، منذ تولّيه الرئاسة، غير أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ذهبت بعيداً في الحسابات الاقتصادية مُعرّضةً تحالفاتها في المنطقة لاهتزازات كانت في غنى عنها، في ظلّ تقدم خصومها.

بالأمس، أنهى عضو الكونغرس "ليندسي جراهام" جولته في الشرق الأوسط ليستنتج أن "جهود إدارة الرئيس ترامب في ردع توسّع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط غير كافية، ويجب اتّخاذ المزيد من الإجراءات الرادِعة للنظام الإيراني وأعوانه في أقرب فرصة"..

ردّد النائب الأميركي حرفياً ما يقوله الإسرائيليون، من دون صدور ملامِح لتصوّر جديد تواجه به واشنطن النفوذ الإيراني المذكور. فصارت قضية "مصانع صواريخ حزب الله" هي العنوان للحملة الدبلوماسية التي قفزت بخفّة فوق واقع التحوّل السوري، والمُراوحة اليمنية والستاتيكو العراقي ونجاح الردع اللبناني.

بل تُظِهر تصريحات الأميركيين، وآخرهم غراهام، توتّر العلاقات الأميركية – التركية، وانقسام البيت الخليجي الموالي لواشنطن.

هذه كلها عناصر واقعية لا يمكن للإدارة الأميركية إغفالها عند المُطالبة بـ"وضع حد لنفوذ" إيران في الشرق الأوسط.

على أنّ كلام غراهام الذي يحمل في طيّاته اعترافاً صريحاً بفشل سياسة أميركا في سوريا تحديداً، يؤشّر أيضاً إلى رغبة إسرائيلية بأن تنخرط الولايات المتحدة عسكرياً بشكل أكبر في مواجهة خصومها. ولا يقتصر الحديث هنا عن حزب الله فقط، بل يستهدف سقف الحملة إيران مباشرة، وهو ما تعكسه اتصالات ترامب مع حليفيه في الرياض وأبو ظبي.

ومن اللافت أن غراهام في الأراضي المحتلة قد استحضر "أزمة الصواريخ الكوبية" عام 1962، ليستنتج بأن التعامُل مع حزب الله يجب أن يستنسخ التجربة نفسها باعتبار أيّ هجوم من قِبَل الحزب على إسرائيل هو بمثابة "اعتداء إيراني مباشر".

الحماسة الأميركية المُستجدّة لم تكتفِ بهذا الحد، بل نعى غراهام قوات "اليونفيل" جنوب لبنان، معتبراً أنها لم تقم بواجبها في "منع انتشار الصواريخ" ووقف "إرهاب حزب الله".

حتى اللحظة، هذا الموقف العالي السقف والمُتماهي مع المصلحة الإسرائيلية، لا يعكس حقيقة التوازُنات على الأرض.

ويمكن بالتالي إدراجه في خانة التهويل لاعتبارات وأهداف تكتيكية عديدة، كما هي حال أصدقاء إسرائيل في الكونغرس الأميركي قبل طلب أية مساعدات إضافية.

لا يعني هذا أنّ احتمال الحرب مُستبعَد بالكامل، لكن الإشارات الميدانية لا تنحو باتجاه ذلك حالياً، كما أن سلوك إسرائيل الدبلوماسي في ما يخصّ مشكلتها مع لبنان حول حقول النفط البحرية لا يشي بأنها تريد التصعيد، إذا ما أسقطنا جدلاً كل النقاش في أنّ نتائج أية حرب لا تزال غير محسومة، ما يعني ببساطة أن تل أبيب لن تدخل حرباً غير معروفة النتائج والتداعيات.

في خُلاصة القول، لا تمتلك واشنطن في الوضع الحالي مقوّمات الذهاب إلى حرب عبر وكلائها بشكل مباشر، لكن الحديث عن الحرب أمر مفيد للـ"بزنس" دوماً.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.