المشاغبة والمشاغلة

20

 

علي نصر الله 

خلافاً للرغبة الأميركية – المُخطط – بالإبقاء على داعش كذراع إرهابي يؤدي دوره في الاستهداف والاستنزاف لعشرين أو ثلاثين سنة، تمّ سحقه ودحره وطيّ صفحته في سورية والعراق خلال وقت قصير،

بل قياسي تحطم فيه المشروع قبل أن يتحطم الزمن الأميركي والحالة الافتراضية التي اشتغل عليها البيت الأبيض ومُلحقاته في الخارجية والبنتاغون ولجان الكونغرس الأمنية الفاعلة.‏‏

مع سقوط المُخطط، ومع امتناع الولايات المتحدة عن الانشغال بجمع حُطام المشروع والنظر في الأمر من زاوية أخرى لاستخلاص ما يمكن استخلاصه للإفادة من الأخطاء، والتراجع خطوة إلى الخلف تُتيح لها فرصة التقاط نفس عميق تُقيّم خلالها سَوءات سياستها وتجربة الاستثمار بالإرهاب والتطرف، اعتقدت واشنطن أن خيار الذهاب للمُشاغبة والمُشاغلة سيكون كافياً وأنه ليس هناك ثمة حاجة للمراجعة الكلية للمشروع ومساراته تبديلاً أو تعديلاً!.‏‏

التكتيكيُ إذاً وليس الاستراتيجي هو ما يشغل الدوائر الأميركية، أي إن القرار اتُخذ على أعلى المُستويات في واشنطن بأنه لا عودة عن المشروع، بل الاستغراق فيه والإصرار على استكماله حتى لو استنزف أو هدد مصير ومُستقبل مجموعة الأدوات الإقليمية المُستخدمة مُنفردة أو مُجتمعة، تركيا والخليج، باستثناء إسرائيل غاية المشروع وسببه المُباشر!.‏‏

حجم الورطة الأميركية كبير جداً، تضاعف مرة على الأقل بعد خطوة دونالد ترامب المتهورة بتوقيع قراره الأحمق بشأن مدينة القدس، ومقادير التخبط والارتباك بإدارة ملفات الخلاف والصراع مع روسيا، إيران، كوريا، الصين وأوروبا، باديةٌ وهي أعظم ربما من حجم الورطة التي هو فيها بالمنطقة والتي لا يمكن فصلها أصلاً عن بعضها.‏‏

إن المُشاغبة الأميركية على سوتشي والعمل العلني ضد مسارات الحوار السوري، هي شكلٌ من أشكال الإحباط تُقارب لحدود كبرى حالة المقاطعة الأميركية لاجتماعات أستانا، وإن المُشاغلة باستفتاء كردستان، وباستقالة الحريري في لبنان، وبمحاولة تفجير الفوضى بإيران، هي تكتيكٌ بائس يعكس حالة الفشل التي تعززت بتنحي البرزاني، وبتجاوز لبنان المطب، وبحصاد الخيبة في مجلس الأمن الدولي حتى من حلفاء أميركا بالوقوف ضد إقحام المجلس بأحداث إيران.‏‏

الانهيارات المُتتالية بمشاريع أميركا العدوانية حول العالم لا تنحصر أسبابها فقط بالاندفاع والحماقة والتهور، وإنما أحد أهم أسبابها التي لا تريد واشنطن الاعتراف بها هي حالة المقاومة المُتنامية ثقافة وفعلاً في المنطقة والعالم، وهو الأمر الذي بات يُهدد واقعياً مكانة أميركا وحضورها، ويُقلص مناطق نفوذها، وقد يؤدي اجتماع حماقاتها مع تنامي حالة الرفض والمقاومة ضد سياساتها لا إلى تحجيم دورها فقط، بل إلى المواجهة الحقيقية معها.‏‏

ما لم تُجر الولايات المتحدة مُراجعة شاملة لسياساتها تعود فيها عن أطماعها وعدوانيتها وازدرائها للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وما لم تتخل عن انحيازها لإسرائيل وتبنيها لها وللحركات الإرهابية التي صنّعتها، فإنها تُعرض أمنها واستقرارها للخطر، وتضع أمن واستقرار العالم أمام احتمالات كارثية ستُصيبها في العمق، وحينذاك لن تنفعها مُشاغبة هنا أو مُشاغلة هناك، فالمعركة الأساس ستكون معها كمُنتج فعلي للشرور وكمُشغل حصري لكل ما هو شرير .. العالم يزداد قناعة بأنه سيكون أفضل بلا أميركا الامبريالية!.‏‏

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.