جزر داعش في سورية .. ومد معارك النفوذ بنفير الورقة الكردية

25

 

عبد الحليم سعود

الحرب أو الأزمة في سورية لم تنته بعد ولكنها بلغت مراحلها النهائية حسب الكثير المعطيات فبعد تفكيك ما يسمى تنظيم «داعش» على طرفي الحدود العراقية السورية والقضاء على هذا التنظيم الإرهابي الذي أفزع العالم بوحشيته وعنف إجرامه وأفكاره المتطرفة، لم تعد التنظيمات الارهابية المتبقية تملك القدرة على إيقاف عجلة التسوية النهائية للأزمة،

غير أن الاهتمام بما يجري في سورية وبشأنها مازال يأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام العالمي بحيث يمكن الاصطلاح عليه معارك النفوذ ما بعد الحرب، لأن كل قضايا المنطقة مرتبطة بسورية والحرب فيها تؤثر على العديد من الملفات العالمية.‏

يؤكد مركز مداد للأبحاث والدراسات أنه مع انحسار رقعة المعارك على الأرض وتحرير معظم الجغرافيا السورية ـ هناك بؤر مشتعلة لكنها لا تؤثر في النتيجة النهائية للحرب ـ انتقلت المعارك إلى ساحات أو مناطق النفوذ، ولأن السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى فإن أطراف الحرب تحضر إلى جلسات التفاوض في آستنة أو جنيف أو إلى سوتشي لاحقاً محملة بخطط وأجندات ومطالب تعكس رغباتها أو رغبات داعميها ومموليها من القوى المؤثرة في الحرب، وبعض هذه الرغبات واقعي يمكن التعامل معه نظريا وبعضها خيالي واهم لا يمكن القبول به أو التعاطي معه لأنه لا ينسجم مع موازين القوى على الأرض ولا يتناسب مع حجم الانجازات العسكرية لسورية وحلفائها.‏

أبرز التحديات الخاصة بمعارك النفوذ تتعلق بالمسألة الكردية وتعقيداتها، فالولايات المتحدة تواجه تحدٍّ سياسيّاً عميقاً في هذه المسألة، جزء منها متعلق بالأكراد وجزء آخر متعلق بتركيا التي ترى في الأكراد خطرا على أمنها القومي، فواشنطن تستخدم ما يسمى «قوات سورية الديمقراطية» كأداة على الأرض لضمان نفوذ لها في شمال شرق سورية، وكل ما يقال عن وقف التسليح والدعم لهذه المليشيا إرضاء لتركيا لا يعني تخلي واشنطن عنهم، وفي حين تتعاطى أنقرة معهم بوصفهم عدوا خطراً وتسجل اعتراضها على الدعم الأميركي لهم وتهدد بالرد عليه، تحتفظ روسيا بعلاقات جيدة مع كل الأطراف وخاصة الأكراد ما يجعلها ملجأهم في حال خذلتهم واشنطن كما تفعل في العادة مع حلفائها، وتبقى مشكلة الأكراد الأساسية أن شروط واشنطن لدعمهم مجحفة ومهينة وتحولهم إلى دمية لا مبادئ لها ولا انتماء.‏

ولذلك على الأكراد دراسة واقعهم الحالي جيداً قبل فوات الأوان واستخلاص المفيد بأن القوى الدولية والإقليمية تتعاطى معهم وتستغلهم لتحقيق مصالحها هي وليس مصالحهم، وعليهم أن يعلموا أن الدولة السورية هي أفضل خيارات تحالفاتهم المتاحة.‏

 

من أخطاء التكتيك الأميركي !‏

ترتكب مراكز الأبحاث الأمريكية خطيئة كبرى عندما تتحدث عن مفاوضات أو اتفاقات مستقبلية أو انتقال سياسي بدون الحكومة السورية وكأنها غير موجودة أو ليست فاعلاً مؤثراً في الحدث، لكنها تعلم أن العلاقة بين موسكو ودمشق والتحالف القائم بينهما أقوى من أن يسمح بتجاهل دمشق في أي تسوية أو حل سياسي قادم لا يحقق الحد الأدنى من شروطها، وإذا ما قررت الصين وأوروبا واليابان المشاركة في إعادة إعمار سورية، فسيتوجهون بالطبع نحو روسيا، وستفقد بالتالي واشنطن ورقة تعول عليها كثيراً.‏

تستمر محاولات روسيا الدبلوماسية لإيجاد حل للأزمة في سورية، وهي تبذل جهودا كبيرة من أجل انعقاد مؤتمر الحوار السوري السوري في سوتشي، وتلعب دو المايسترو في كل الملفات، في حين تتذرع الولايات المتحدة بالنفوذ أو الوجود الإيراني في سورية من أجل الإبقاء على وجودها العسكري في شرق سورية. لأنه مع انتهاء تنظيم «داعش» في كل من سورية والعراق، لم يبق للوجود الأميركي أي مبرر.‏

وهذا ما دفع بها مؤخرا للإعلان عن تشكيل مليشيات مرتزقة من «قسد» ومخلفات ما يسمى «الجيش الحر» قوامها ثلاثون ألف مسلح لنشرها شرق نهر الفرات في المثلث الحدودي السوري العراقي التركي، تكون بديلة عن تنظيم داعش الذي سقطت ورقته من التداول.‏

وفيما يتعلق بتنظيم «جبهة النصرة»، فرع القاعدة في سورية، فثمة محاولات أميركية لإظهار انفصاله المزعوم عن القاعدة الأم وكأنه انفصال فعلي وحقيقي، للقول أن واشنطن «انتصرت» على القاعدة في سورية، وأن حملتها أو تحالفها العسكري قد حقق شيئاً ملموساً على الأرض. فبعد أن بدأت مراكز الأبحاث بالتركيز على إظهار «النصرة» كأقوى تنظيم إرهابي في سورية، بات الحديث عنه وكأنه تهديد داخلي لا يعني حتى دول الإقليم، وعاد الحديث عن «انبعاث جديد» لتنظيم «داعش».‏

في المحصلة لن تتوقف واشنطن ـ المخطط الأكبر لما جرى في المنطقة من فوضى خلال السنوات الماضية ـ عن افتعال المزيد من المشكلات في سورية من أجل زيادة نفوذها أو الحصول على تنازلات لمصلحة الكيان الصهيوني وطموحاته الاستيطانية والاستعمارية، وإذا ما رأت أن هناك حاجة لخلق وتشكيل تنظيم إرهابي جديد من أجل الإبقاء على وجود دائم لها فإنها لن تتورع عن هذه الخطوة، لأن ورقة الارهاب لم تسقط من يد واشنطن وحلفائها لأنهم لم يحققوا ما كانوا يطمحون إليه، وتبقى الكلمة الأولى والأخيرة للسوريين لأن بإمكانهم قطع الطريق على كل متآمر ومتربص من خلال حوارهم وتفاهمهم واتفاقهم وتحصين بلدهم ضد كل ما يحاك له من مؤامرات خارجية.‏

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.