“داعش”.. رعاية أميركية من التأسيس حتى الاحتضار

22

في الرابع والعشرين من الجاري، نشرت وزارة الدفاع الروسية صوراً قالت إنها لآليات تابعة للقوات الأمريكية في مناطق سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي شمالي دير الزور في سوريا. وأظهرت الصور الصادرة عن المراقبة الفضائية الروسية تقدم قوات خاصة أمريكية برفقة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مدينة دير الزور وسيطرتها على موقع عسكري لتنظيم “داعش”.

وبينت الصور أن السيطرة لم تحدث باشتباك أو بمعركة بريّة بين الطرفين، كما ظهر دخول عربات “همر” أمريكية إلى مواقع داعش والوقوف إلى جانبهم في موقع واحد يجمع القوات على الأرض.

هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، بل سبقتها وقائع ميدانية عدّة في سوريا والعراق، وكلها تؤكد التواطؤ الأميركي مع تنظيم داعش الإرهابي، وتوفير الرعاية والدعم الخاص للتنظيم. إن عودة بسيطة إلى الوراء، قد تنشط ذاكرة بعض الذين غابت عنهم الوقائع سهواً، أو أولئك الذين يتعمدون حجبها لتضليل الرأي العام، ويمكن إدراج عدد من العناوين في هذا الإطار:

أ ـ تصريحات عن تأسيس إدارة باراك أوباما لتنظيم “داعش”، وإقرار كلينتون، فضلاً عن تصريحات بعض المسؤولين الغربيين.

ب ـ وقائع ميدانية في العراق تؤكد دعم التنظيم منها إسقاط حاويات سلاح وذخيرة ومواد طبية له.

ج ـ وقائع ميدانية في سوريا تؤكد دعم ومساندة مسلحي التنظيم

 

أ ـ التصريحات عن التأسيس:

ليست خافية على أحد تصريحات ترامب خلال السباق الرئاسي الأميركي، إذ اتهم باراك أوباما ومنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، غير مرة بـ”تأسيس” تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا:

ـ خلال لقاء مع مؤيديه في ولاية فرجينيا (03/01/2016)، اتهم ترامب أوباما وكلينتون بأن سياستهما في الشرق الأوسط والقرارات التي اتخذاها أدت إلى ظهور تنظيم داعش، مؤكدا أن “داعش ما كان له أن يتكون لو أن قادة جيدين أداروا بلادنا”.

ـ في تجمع انتخابي في مدينة ديتون بيتش بولاية فلوريدا ( 04/08/2016)، هاجم ترامب كلينتون وقال “يجب أن تحصل هيلاري كلينتون من داعش على جائزة كمؤسسة للتنظيم”.

ـ في تجمع انتخابي(11/08/2016) في مدينة “فورت لودرديل” بولاية “فلوريدا” جنوب شرقي البلاد، قال ترامب إن “النزاعات في الشرق الأوسط، هي نتاج سياسات كلينتون لدى توليها حقيبة وزارة الخارجية (2009-2013) حيث أفضت إلى خلق بيئة مؤاتية من عدم الاستقرار والفراغ في السلطة، في العراق وسوريا، ما ساهم بشكل كبير في نشوء مثل تلك التنظيمات”.

ـ أثناء مهرجان انتخابي في ولاية أوهايو الأمريكية (15/08/2016) كرر ترامب مهاجمة أوباما واتهمه باتخاذ سلسلة قرارات “ساذجة” أدت إلى نشوء داعش في العراق وسوريا

ـ يدعم كلام ترامب، تصريحاتٌ أدلى بها الجنرال الأمريكي المتقاعد “ويسلي كلارك” الذي شغل منصب القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي بين عامي 1997–2000 وقال فيها “إن القاعدة وداعش هما صنيعة أمريكية ”

ـ وصف العميل السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية “إدوارد سنودن” في مقابلة خاصة مع صحيفة “Dagens Nyheter” السويدية تنظيم داعش بـ”صناعة السياسة الأمريكية” موضحا أن هذا التنظيم “لم يكن موجودا قبل أن نبدأ بقصف هذه البلدان (سوريا والعراق)”.

ـ الضابط في الاستخبارات البريطانية في جهاز مكافحة الإرهاب “تشارلز شويبردج” أكد أن وكالتي الاستخبارات الأمريكية “سي آي ايه” والبريطانية دفعتا دولاً خليجية لتمويل وتسليح تنظيمات مسلحة في مقدمتها تنظيمي القاعدة وداعش .

ـ الكاتب الأمريكي “ستيفن ليندمان” تحدث في مقال نشره موقع “غلوبال ريسيرتش”الكندي عن أدلة كثيرة كشفت عن قيام وكالة الاستخبارات الأمريكية “سي آي ايه” والقوات الخاصة الأمريكية بتدريب الجماعات التكفيرية بما فيها تنظيم “داعش”.

ـ إقرار كلينتون بإنشاء داعش: تصريحات ترامب واتهاماته لأوباما ووزيرة خارجيته بإنشاء داعش، لم تكن في الحقيقة إلا انعكاسًا لما أقرت به كلينتون في كتابها “خيارات صعبة” الصادر في الربع الأخير من العام 2014 حيث فجرت مفاجأة من العيار الثقيل وقالت :”أنشأنا “داعش” لغرض تقسيم الشرق الاوسط”.

 

ب ـ الدعم الأميركي الميداني لداعش في العراق:

واقعة إسقاط حاويات الأسلحة والذخائر والمواد الطبية من الجو لتنظيم داعش بدأت بشكل اسقاطات عن طريق الخطأ ثم أخذت شكلا اكثر تنظيماً مع الوقت وتكررت في غير موضع في العراق:

ـ أكد النائب العراقي ستار الغانم (23 أكتوبر 2014) أن طائرات أميركية رمت عتاداً لجماعة داعش الارهابية في منطقة جلولاء المحاصرة التابعة لمحافظة ديالى.

ـ ذكر مصدر أمني في ناحية العظيم العراقية (03/02/2015) ان “الطائرات الأمريكية قامت مجدداً بإلقاء مساعدات من أسلحة وأعتدة وأرزاق لمسلحي تنظيم داعش شمال ناحية العظيم”

ـ كشفت لجنة الأمن والدفاع النيابية العراقية عن وجود العديد من الوثائق والصور التي تؤكد قيام طائرات تابعة للتحالف الدولي بإلقاء أعتدة وأسلحة ومؤن لتنظيم “داعش” بواسطة المظلات.

ـ قال رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية النائب حاكم الزاملي في مؤتمر صحفي (10 شباط 2015) عقده في مجلس النواب أن هناك وثائق وصورًا ومعلومات وأمورًا تؤكد ان طائرات التحالف الدولي تخرق السيادة العراقية والأعراف الدولية لإطالة أمد الحرب مع داعش من خلال إلقاء المساعدات لهم عن طريق الجو أو هبوطها في المطارات والمناطق التي تقع تحت سيطرة التنظيم”. وأكد الزاملي “أن هذه المعلومات تردنا بشكل مستمر من كافة القواطع وموثقة بالصور والتقارير وهي تثبت قيام طائراتهم بالهبوط في مطارات الموصل وتلعفر والكيارة ومناطق عراف اللهيبي في قرة تبه بديالى وناحية يثرب وقرية الضلوعية وملعب الفلوجة وفي صحراء الانبار”، مشيراً الى ان “تقارير الرصد والصور المتوفرة تبين إلقاء الأعتدة والأسلحة والمؤن بواسطة المظلات”.

 

ج ـ الدعم الأميركي لداعش في سوريا

ـ أخذ هذا الدعم أشكالاً مختلفة، وأحد أشكاله التدخل المباشر لتعديل مجريات المعركة كما حصل في أيلول 2016 حيث نفّذت الطائرات الأميركية قصفاً عنيفاً لمواقع الجيش السوري في جبل الثردة بدير الزور بالتزامن مع هجوم لمسلحي تنظيم داعش على مناطق القصف، فيسيطرون على تلك المناطق المهمة. وفي حينه زعمت واشنطن أنّ القصف حصل عن طريق الخطأ، لكن سوريا بيّنت بأنّ احتمالات الخطأ هناك تساوي صفراً.

ـ استهداف مطار الشعيرات السوري في أوائل نيسان 2017 بصواريخ التوماهوك الأميركية، وقد جرى التمهيد له بفبركة مزاعم عن الكيماوي في خان شيخون، لكن الحقيقة أن الاعتداء تزامن مع هجوم لتننظيم داعش على عدة مناطق في ريف حمص قريبة من مطار الشعيرات.

ـ تعدد الانزالات المشبوهة في عدد من المناطق في ريف دير الزور الشرقي وآخرها (13/9/2017) في بلدة الموحسن في ريف دير الزور الجنوبي الشرقي حيث قيل إنه تمّ اعتقال عدد من مسؤولي تنظيم داعش أمام أهالي البلدة ومن دون أي مقاومة! وقد أثارت هذه العملية الشكوك بأنها عملية إخلاء وليست اعتقالاً.

ـ إنزال استهدف قلعة الرحبة (6/9/2017) في مدينة الميادين في ريف دير الزور الجنوبي الشرقي، وقبلها إنزال آخر في منطقة “كب الملا” المجاور للمعبر المائي في بلدة البوليل في ريف دير الزور الجنوبي الشرقي بواسطة مروحيتين. واللافت في الانزال الأخير ما قيل عن اعتقال مسؤول مالية “داعش” في حقل التيم النفطي وما بحوزته من خزينة مالية عائدة للتنظيم!.

ـ في نهاية شهر آب/أغسطس الماضي، نفّذ “التحالف الدولي” انزالاً جوياً بواسطة ثلاث مروحيات في منطقة السوح جنوب غرب بلدة المسرب بـ 10 كم بالقرب من الطريق الدولية في ريف دير الزور الغربي، وترددت أنباء عن سحب عناصر من “داعش” في المنطقة. وسبق ذلك بعدة أيام، عملية إنزالٍ جنوب منجم الملح في ريف المنطقة نفسها وتم خلالها سحب عنصرين من التنظيم مع عائلاتهم من جنسيات أوروبية!.

هذه الوقائع تؤكد بأن أميركا هي المؤسس لتنظيم داعش، وهدفها الرئيس إقامة دولة عازلة في المنطقة بين سوريا والعراق خدمة لمصالحها، ومن أجل ذلك، تمركز مسلحو تنظيم داعش في الأنبار والموصل والرقة والدير وعلى طول الحدود العراقية ـ السورية لقطع سبل التواصل بين هذين البلدين.

وبعد الانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه في بادية الشام وصولاً إلى دير الزور، ودنو نهاية تنظيم داعش، لم يعد أمام الادراة الأميركية مع انهيار “ربيبها” إلا إحياء مشاريع التقسيم ونفخ الروح فيها مجدداً، واستفتاء انفصال اقليم كردستان العراق عن بلده الأم أحد تعبيرات المشروع التقسيمي الذي يبدو أن واشنطن قد منحته الضوء الأخضر لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع”.

 

بقلم: سعد حمية

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.