علامة تعجّب… كیف یقود “أبو ھادي” قافلة الانتصار في زمن الانھیار؟!

23

 ما أروع أن یخرج الحي من صلب المیت، وینبجس الماء من عین الصخر، وینبت الخیر في بوادي الشّر، ویطلع الفجر من غیاھب اللیل، وتنبعث العنقاء من كومة الرماد، وتنطلق البطولة من جراح الشعوب المقھورة، وتنبثق المعجزة من تضاریس الزمن الصعب، وتشرق شمس السید حسن نصرالله وسط آفاق عربیة ملبّدة بالھزائم والھموم وعلامات التعجب.

ھذا الرجل سیّد جلیل في قوله وفعله، ولیس فقط في حسبه ونسبه… وھو قائد مقدام في المعارك السیاسیة والإعلامیة، ولیس فقط في الحروب العسكریة والأمنیة… وھو مبدع خلاق في عوالم البلاغة والخطابة والجملة السحریة، ولیس فقط في میادین التعبئة والتنظیم والإدارة

الیومیة للمستجدات الطارئة والقضایا الواقعیة.

ھذا الرجل له من اسمه نصیب كبیر، فھو نصرالله وناصر العرب الذي ما دخل معركة حربیة الا وكان النصر حلیفه، وما خاض مساجلة اعلامیة الا وكان النجاح رفیقه، وما اطل من الشاشة التلفزیونیة الا وكان مالئ الدنیا وشاغل الناس، وما طرح فكرة او اطلق رؤیة الا وكانت محل اھتمام واحترام العدو قبل الصدیق، والبعید قبل القریب، والمختلف معھا قبل الموافق علیھا.

ھذا الرجل/الرمز لیس رئیس دولة وازنة، ولا قائدا لجیوش عرمرمیة، ولا غني بملیارات نفطیة، ولا قیصر امبراطوریة اعلامیة، ولا سندباد رحلات وجولات ومؤتمرات دولیة.. ومع ذلك فقد بز كل قادة العرب ورؤسائھم واثریائھم وادبائھم وجنرالاتھم في الشھرة العابرة للقارات، وفي القدرة على حصد الانتصارات، وفي الشجاعة الطالعة من كربلاء، وفي التضحیة البالغة حد الجود بالابن البكر، وفي المصداقیة التي یشھد العالم بھا ویبصم باصابعه العشرة علیھا.

ھذا الرجل یشكل منحة سماویة جادت بھا الاقدار، ویجسد صدفة عبقریة وفرھا لنا التاریخ، ویمثل ظاھرة كاریزمیة لم تتحقق لغیر جمال عبدالناصر بالامس القریب، ویعبر عن اعلى درجات النبل والترفع والاریحیة، سواء في مواقفه السیاسیة، او مبادئه الوطنیة والاسلامیة، او

شمائله الروحیة والاخلاقیة والطھرانیة..

وسیكون من سوء حظ العرب وبؤس طالعھم، ان یفّوتوا فرصة وجود ھذا القائد الملھم في مقدمة صفوفھم، دون ان یلتفوا حوله ویشدوا ازره لكي یحرروا التراب الفلسطیني ویمحوا الكیان الصھیوني الغازي والدخیل.

من حق اي عربي ان یعارض حزب الله، ویختلف مع بعض مواقف السید نصرالله وطروحاته، فاختلاف الرأي لا یُفسد للود قضیة، كما تقول الحكمة المعروفة.. ولكن من العیب، بل العار، على من تسري دماء العروبة في عروقه، ان یمقت ھذا الفارس الشھم، ویتحامل علیه، ویشكك في غایاته وولاءاته، ویشترك مع امریكا واسرائیل في محاولات تشویھه واتھامه بما لیس فیه من مثالب ومعایب ونعرات طائفیة ومذھبیة وجھویة ضیقة.

حسن نصرالله لیس فرداً، بل جمع مذكر سالم، وقاسم مشترك اعلى لابناء امتھ العربیة كافة، ولیس لطائفته الشیعیة، او دیرته اللبنانیة، او ركیزته الایرانیة.. وھو صاحب حضور شعبي ھائل یتجاوز الارقام القیاسیة لدى ملایین العرب والمسلمین.. وھو على موعد حتمي مع التاریخ الذي طالما فتح صفحاته الذھبیة للزعماء العظماء.. ولیس في صالح ھذا الرجل، او في حسبانه، ان یھبط من علیاء ھذه المكانة المرموقة الى درك المربعات الفئویة والمسطحات المذھبیة.

ھذا الشیخ المعمم لیس یساریاً ولكنھ اقرب للكادحین واح ّن على الفقراء والمظلومین من اساطین الیسار واقطاب الاشتراكیة..

وھو لیس قومیاً ولكنه رفع رؤوس العرب عالیاً حین ھزم اسرائیل بالنیابة عنھم جمیعاً

بالعیش اللبناني المشترك..

للمكون المسیحي العربي، والتزاماً

وھو لیس مسیحیاً ولكنه من اشد المسلمین احتراماً

لقضیة فلسطین من بعض زعاماتھا وقیاداتھا التي سكرت بكؤوس الوھم، وھرولت لعقد ”سلام الشجعان“ مع رابین وبیریز ونتنیاھو وتسبي لفني.

وھو لیس فلسطینیاً ولكنھ اكثر حرصاً وولاء واخلاصاً

مشكلة ھذا الرجل لیست كامنة في ذاتھ ومواصفاتھ، بل موجودة لدى اعدائه وغرمائه.. فھم مغتاظون من استقامته ولیس اعوجاجه، ومن امانته ولیس انحرافه، ومن تسامحه ولیس تزمته، ومن نجاحه ولیس اخفاقه، ومن مجمل فضائله وحسناته ولیس سلبیاته وسیئاته.. شأنھم في ذلك

شأن المثل الشعبي المصري الذي طالما ردده المرحوم یاسر عرفات :

”مالقوش في الورد عیب، قالوا له یا احمر الخدین“.

اما جریمة ھذا الرجل الكبرى التي لا تُغتفر عند الاعداء والعملاء، فتتلخص في كونه صاحب مشروع كفاحي تحرري حاسم ومتصادم على طول الخط مع الصھاینة والمتصھینین العرب والاجانب، ولیس في حیاته وبرامجه واجنداته ما یتقدم على ھذا المشروع الاستراتیجي

العظیم، ولیس لدیه ذرة شك ان الصراع العربي مع الصھاینة صراع وجود ولیس حدود، وان الجغرافیا الفلسطینیة وحدة واحدة لا تقبل القسمة على اثنین، وان العدو الاسرائیلي لا یفھم سوى لغة واحدة قوامھا النار والبارود.

من نقاء العقیدة استخلص‘ابو ھادي‘ قوة الارادة، واكتسب مضاء الھمة والعزیمة، وامتلك بُعد النظر وعمق البصیرة، ورفض الدخول- بالمطلق- في لعبة الكلمات المتقاطعة والاواني المستطرقة التي تورطت فیھا منظمة التحریر الفلسطینیة.. فما ھادن ولا ساوم ولا فاوض ولا تنازل ولا اقترب من اثم الصلح والتطبیع مع الكیان الغاصب.. ذلك ”لان ما اخذ بالقوة لا یسترد بغیر القوة“.

في خطابه الاخیر الذي اعقب تحریر جرود عرسال اللبنانیة من قبضة جبھة النصرة الارھابیة، زف لنا ’ابو ھادي‘ بشرى الانتصار الوشیك في سوریا، ورغم ان كل الوقائع المیدانیة تؤشر الى ھذا الاتجاه، الا ان للبشرى الصادرة عن ھذا الرجل نكھة عذبة، وعبق طیب، ومعنى

فصیح ومریح وباعث على الثقة والتفاؤل..

وطوبى لھذا البشیر الذي یبصر بعیني ’زرقاء الیمامة‘، ویرى قبل الآخرین، ویحظى بفراسة المؤمن، ویغشى الوغى ویع ّف عند المغنم!

 

بقلم فھد الریماوي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.